المرسي ل "مصر الآن ":حديث ترامب عن انتهاء مذكرة التفاهم مع الإيرانيين وقصفهم رد انفعالي
قالت الخبيرة في الشأن الايراني الدكتورة شيماء المرسي في تصريح لـ "مصر الآن "أن حديث الرئيس الاميركي دونالد ترامب خلال قمة الناتو عن انتهاء مذكرة التفاهم، وعدم رغبته في التعامل مع الإيرانيين، بالتزامن مع تهديده بإعادة قصف العمق الإيراني مجددا بدعوى استفزازه عبر استهداف ناقلات النفط السعودية والقطرية في مضيق هرمز ليلة أمس، يكشف عن رد فعل انفعالي ناجم عن ضغوطات حركتها حسابات حزبية داخلية وضغوط إسرائيلية، وهو سلوك لا يرتقي بأي حال من الأحوال إلى مستوى الانسداد الكامل للمسار التفاوضي.
وأضافت المرسي إنه وفالحالة الإيرانية الأمريكية في الوقت الراهن أشبه ما تكون بالدوران في فلك الحالة الأوكرانية الروسية، ولأن بنك الأهداف الاستراتيجية لم يكتمل بعد لجميع الأطراف، فسيظل نمط الشد والجذب العسكري والدبلوماسي مستمرا كأداة حتمية حتى تحقيق الحد الأدنى من الطموحات السياسية.
من أجل هذا، تسعى إيران جاهدة إلى فرض سيادتها المطلقة على مضيق هرمز، وبمجرد أن استشعرت أن ترتيبات مذكرة التفاهم، ستخلق ثغرات تخول لبعض دول الجوار الالتفاف على الإجراءات الإيرانية ومنحها حق العبور دون قيد، بادرت فورا بالاستهداف وإعاقة المرور، وليس ذلك رغبة من طهران في تفجير مواجهة شاملة، بل لإدراكها المبكر أن أول خطوة تنصل من إجراءاتها السيادية في المضيق ستكون الفرصة الذهبية التي تنتظرها إدارة ترامب لتحريض باقي الدول على انتهاج السلوك ذاته، وبذلك تضيع كل المجهودات الإيرانية لفرض السيطرة على هذا الممر الحيوي.
وقالت لهذا، لم تتردد القيادة الإيرانية لحظة واحدة في استهداف السفن السعودية والقطرية، بل وبررت موقفها رسميا بأنها اشترطت مسبقا أن أي عبور لن يتم سوى بتنسيق مباشر معها، وأن مخالفة هذا البروتوكول ستعرض الدول للاعتراض الفوري.
ومن هذا نفهم لماذا استنكرت طهران بغضب موقف سلطنة عمان قبل أيام حينما بدأت تستجيب للضغوط الأمريكية وتتنصل تدريجيا من الترتيبات والقيود الإيرانية المتعلقة بفرض الرسوم والرقابة، لدرجة دفعت إيران إلى إعلان تفردها بإدارة المضيق وحيدة، في خطوة صادمة، هدفت لإعادة ضبط سلوك حليفها الدبلوماسي التقليدي، وهو ما بدا أثره واضحا في تراجع مسقط وتعديل سلوكها بعد هذا الموقف الإيراني.
وعند هذه النقطة، لا بد أن نتوقف قليلا لنتساءل عن السبب وراء تعمد إدارة ترامب، في كل مرة تخرق فيها التهدئة أو اتفاق وقف إطلاق النار، استهداف جزيرتي قشم وسيريك والموانئ المحيطة بهما؟ يعود السر في ذلك مباشرة إلى وعد ترامب بتصفير صادرات النفط الإيراني، ومحاولة إيران الذكية للتحايل على هذا الحصار عبر تحويل خطوط أنابيب النفط والغاز وبناها التحتية من جزيرة خارك التقليدية الواقعة عميقا في المضيق والمحاصرة بحريا، إلى جزر قشم وسيريك وميناء جاسك المطلة مباشرة على بحر عمان والمحيط الهندي، وهي مناطق جغرافية تقع خارج الاختناق العسكري للمضيق وبعيدة عن الطوق البحري الأمريكي.
وأوضحت أن الجديد في هذا الالتفاف أن أحد بنود المذكرة كان قد رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على تصدير النفط الإيراني بالفعل، لتسهيل تدفقه نحو الأسواق العالمية، لكن مساء أمس، وردا على استهداف إيران للسفن الخليجية، سارع ترامب لإعادة تفعيل هذه العقوبات، وهو إجراء يترجم حرفيا تحت سياسة الضغط الأقصى، ظنا من الإدارة الأمريكية أن طول النفس والمراهنة على التداعيات الاقتصادية القاسية قد يشكلان دافعا لتحريك الشارع وتوليد ضغط شعبي إيراني يزعزع استقرار النظام من الداخل.
إلا أن ترامب تفاجأ اليوم، وفي ذروة هذا التصعيد العسكري والتهديد بالقصف، باستمرار مراسم تشييع جثمان علي خامنئي في مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين، وبحماية عسكرية مباشرة من كتائب حزب الله العراقية، وبتأمين وتنسيق ميداني كامل من الحشد الشعبي، بالتوازي مع انتشار لافتات ضخمة وخروج مسيرات شعبية غاضبة في المدن الإيرانية تطالب بالثأر السريع واغتيال ترامب.
وقالت هذا بالطبع شكل صدمة ردع سيكولوجية لترامب، بل وأثبتت له أن نفوذ النظام الإقليمي في العراق تحديدا لا يزال صلبا.
هذا المشهد الميداني في تقديري، هو ما أثار غضب ترامب الشخصي ودفعه للخروج بتصريحاته الحادة الواصفة للإيرانيين بالحثالة وأنهم مقادون من قبل مرضى، حتى أنه ندد بالمساعي والاستعدادات الإيرانية الجادة لاغتياله ثأرا لضربات سابقة.
تكشف هذه الردود أن سلوكيات ترامب انفعالية ونرجسية من الدرجة الأولى، وتعكس صدمته العميقة من وجود هذه الحشود الجماهيرية العقائدية المؤيدة للنظام، لكن ما لم يلاحظه ترامب هو أن إيران تتلاعب بذكاء شديد بسيكولوجيته النرجسية سريعة الانفعال، لماذا؟
لأن مواقف إيران مع ترامب، جعلتها تدرك طبيعة المواضع والملفات التي تخرجه عن سياق التهدئة وعقلانية الحسابات، وكيف يمكنها استثمار أي اختراق أمريكي لوقف إطلاق النار أو الهدنة لتأكيد وتعزيز السردية الأيديولوجية لمحور المقاومة ضد ما تصفه بمحور الشر الأمريكي الإسرائيلي.
ولعل السبب الجوهري في ذلك يعود إلى أن مراسم تشييع علي خامنئي، التي تنقلت بين الجغرافيا الإيرانية والعراقية، ليست مجرد مراسم دينية أو جنائزية عادية، بل هي عملية سياسية صيغت بدقة لتجديد بيعة النظام نفسه، وهو ما ظهر صراحة في الخطاب الإعلامي الرسمي الذي ربط بين وداع المرشد الراحل وتجديد الولاء المطلق لمؤسسة ولاية الفقيه لضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها السيادية.
وأبرزت أنه ومن هنا، استغل الحرس الثوري بذكاء غياب المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، وتواريه عن الأنظار لدواع أمنية وأيديولوجية، ليعيد توظيف السلوك الأمريكي العنيف وحشد الجماهير في الجنازة كأداة لتجديد الشرعية للمنظومة ككل بدلا من ظهوره العلني المباشر، مستثمرا هذا الزخم في التأكيد على حتمية بقاء الأيديولوجية الثورية ومحور المقاومة كحائط سد وحيد أمام الغدر والخداع الأمريكي الذي تروج له أدبيات طهران.
ولا ينبغي لنا أن ننسى أن طعم استهداف السفن والناقلات لم يكن مجرد تأكيد عسكري للسيادة على المضيق فحسب، إذ كان بإمكان إيران الاكتفاء بتوجيه تحذيرات لاسلكية أو مناورات اعتراضية، لكن اللجوء المباشر للاستهداف الخشن حقق غايتين استراتيجيتين:
الأولى هي تثبيت تعنتها المطلق ورفضها لأي صيغة التفاف على إدارتها الحصرية للمضيق.
والثانية هي تقديم طعم مدروس يدفع أمريكا للرد العسكري، وبالتالي إتاحة فرصة تأكيد سرديتها السياسية وفلسفة المظلومية التاريخية أمام جماهيرها الشيعية في المنطقة، مظهرةة خامنئي كقائد غدر به في معركة الدفاع عن مكتسبات الثورة، ما يمنح حاضنتها الشعبية دافعا وجوديا للاستمرار في مواجهة الضغوط الخارجية.
بناء على المعطيات السابقة، فإن التصعيد الراهن لن ينجرغ نحو حرب شاملة ولن يستمر طويلا في مستوياته التصعيدية، بل سنشهد تكرارا مستمرا لسيناريو التهدئة وحافة الهاوية.
هذا إلى حين نضوج الظروف الإقليمية وتحقق الحد الأدنى من بنك أهداف لكل طرف، بحيث تظل الغاية الأمريكية الأهم في نهاية المطاف هي تأمين خروج سياسي وعسكري آمن يحفظ ماء وجه ترامب دون التورط في حرب استنزاف طويلة ومكلفة تلتهم رأسماله الانتخابي وشعبيته الحزبية، بما يتيح لإدارته التفرغ الكامل للملف الأكبر في حسابات واشنطن الدولية وهو ملف الصراع مع الصين.


.jpg)


